رشا فرحات
نظرت خديجة إلى قريناتها العابرات في ممر الشركة والذاهبات للتقدم إلى الوظيفة ذاتها التي ستتقدم لها اليوم، ثم سألت نفسها ساخرة ..كيف ستجتاز امتحانات القبول؟؟!!
إنهن يرتدين ملابس أنيقة تماما كتلك التي ارتدتها صباح اليوم، لكنهن يمتلكن أجساما غضة تحت هذه الملابس هي ما ستقع عليها الأبصار قبل تحديد الاختيار، وقبل النظر في تلك الأوراق التي بين أيديهن، خلافا لجسدها النحيل وطولها الذي لا يصل إلى ستين سانت متر، إنها امرأة غير عادية، وكانت قبل ذلك طفلة غير عادية..فلطالما ضحك عليها الأطفال في المدرسة بسبب نموها المتوقف، ويديها الصغيرة، ولطالما لمحت لها زميلاتها ساخرات بأن يرفعنها على أكتافهن حتى تحل مسائل الحساب التي تكتبها المعلمة على السبورة، لقد كانت مدعاة للضحك بين أطفال المدرسة، حتى كرهت حياتها، كراهيتها لشكلها البشع الذي تبصق عليه كلما نظرت إليه في المرأة وتدعو على أمها التي أنجبت هذا المسخ إلى هذه الأرض...
لكنها تحمل المرتبة الأولى، وطالما كانت المتفوقة في كل شيء، وأوراقها المعلقة على الجدران تحكي عن ذلك التفوق المغلف بضحكات المعلمات والناظرة التي كانت تسلمها تلك الأوراق في كل عام وهي تقهقه سخرية واستكثارا لهذا النجاح على ذلك الجسد الصغير الذي أحرز أعلى الدرجات في تاريخ المدرسة,,,
لكنها لم تتفوق في يوم من الأيام في إحراز نظرة واحدة من أي رجل إلى جسدها، أيا كان ذلك الرجل، وجميعهم يدعون بالإخوة والاعتزاز بمعرفتها، ولم يفكر أي منهم حتى بالسلام عليها مخافة أن تمس يده تلك الأيدي الصغيرة الغريبة المعاقة.
شكلها عائق في طريقها، وأكثر زميلاتها فشلا قد تفوقن وأصبحن مذيعات بعد تخرجهن مثلها من قسم الإذاعة والتلفزيون في الجامعة، وهن الآن يحملن شهرة كبيرة، وقد كانت مؤهلاتهن الجسدية اكبر من درجاتها المرتفعة المحصودة في ورقة بيضاء تحملها اليوم بين يديها كوسيلة وحيدة لديها للنجاح والحصول على الفرصة، ورقة بيضاء وأرقام كاملة محصودة في جنبات الورقة، تنظر إليها كل يوم وتفتخر، ودعاء والدتها التي تشمئز من نظرها إليها يتردد في إذنها كل يوم، فيحطم الفخر ويكسر العزيمة ويحولها إلى كومة من الذل والخجل من نفسها، وكأنها ارتكبت جريمة لا دخل لها فيها حينما ولدت على هذه الهيئة المرعبة، ومواهبها الأخرى وثقافتها العالية التي تمتلكها لم تشفع لها لتصل بها إلى وظيفة محترمة في واجهة اجتماعية تليق بعبقريتها، .
تجللت ضحكتها وعلت في أرجاء الرواق الضيق، الذي شعرت به يزداد ضيقا، بعدما أجبرتها ذل يختلج في صدرها لا دخل لها في صناعته، والذي جعلها ترفع رقبتها المتألمة من شدة الانخفاض ثم تسترق نظرة خجلة إلى تلك الخارجة من الباب، تلك زميلتها، فاشلة، راسبة، لم تنجح، لم تكمل دراستها!!!
لكنها بقوامها الممشوق وملابسها الملونة الأنيقة، وعيناها الواسعتان تسير بجانب ذلك المدير الذي أعلن نجاحها في المقابلة وقبولها للعمل لديه، لأنها أكثر المتقدمات تفوقا...









أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية