رشا فرحات – غزة
ظهرت على وجهها ملامح الضياع والحرمان ، الذي تحدثت عنه ملابسها الرثة التي ترتديها واصفة صنوف الألم والعذاب التي تعرضت لها في سنين حياتها ، لكن المعالم الجديدة التي ارتسمت على محياها لم تستطع إخفاء تلك الملامح الأخرى التي تحكي جمالاً قديماً قد ذبل مع مرور السنين ،وهي لم تعد تعره اهتماماً في زحمة الأولويات المتعبة التي جعلت جمالها أخرما يمكنها الالتفات إليه.
كل يوم تطرق بابي في نفس الموعد علها تجد لدي ما تعود به إلى أبناءها المنتظرين على نار وجوع في منزل قديم ضيق ... أثارت في نفسي فضولاً هذه المرة .. ربما لأثار دموع لمحتها تبلل أطراف أهدابها الطويلة ، وتحت إلحاحي بالسؤال عن حال هذه الأنثى الكسيرة .. تكلمت ..هزأت من استفهامي عن سر حزنها الدفين ، وردت باقتضاب بسؤال آخر ، وهل هناك ما يدعوني للسعادة؟؟؟
تسمرت عيناي على ملامحها التي تبدلت حيث انفجرت أناتها فجأة و بدأت تحكي بصوت معبق بتلك الحشرجات الدفينة ...لفتاة تزوجت في عمر الثلاثة عشر .. خدعوني باسم الثوب الأبيض وقليل من الألوان والأصباغ على وجهي ، وبمهر لم يتجاوز دراهم معدودة ، عانيت كل صنوف الألم والحيرة مع زوج صغير السن لا يملك قراراً أو تجربة في الحياة ،لرجل لم يتعلم كيف يحترم كياناً لامرأة ، لم أسأل عن ما أريد ، لم اسأل عن الأحلام التي قتلت في نفسي يوم دخلت عروسا مكبلة إلى بيته ،بدأت أنجب الأطفال واحداً تلو الآخر بناء على طلبه، وان أظهرت شيئاً من الاعتراض اعتباراً لصحتي التي بدأت تتدهور أصابتني لعنة من الجميع وبدأت الأصوات تعلوا معلنة الحرب علي ، مرددين جميعا كلماتهم المعتادة "هذا حقه" ويجب علي التنفيذ دون مناقشة ، واصفين حال قريناتي الأخريات ممن أنجبن ستة وعشرة أبناء ، وكأن إنجاب اكبر عدد من الأطفال هو غاية وهو سر نجاح المرأة وطاعتها .. التفتت نحوي وسألت بسذاجتها المعهودة : من قال أن الإنجاب حق للرجل وحده ؟!!! نظرت إلي ثم أعادت سؤالها بكل براءة لعلها تجد جوابه عندي ، هل قال الله في القرآن الكريم ذلك ؟!!!!
ثم أكملت حديثها... بعد أن ارتأيت أنا الصمت دون تعليق على سؤالها ....
..هو يريد عزوة وقبيلة من الأبناء ، وفي المقابل جوع وألم وحرمان ، كل يوم تقطعني الذكريات ألاف المرات وأنا أتجرع حسرة خروجي من المدرسة.. تجرعت حسرة الحاجة إلى صدر أب وأم القي عليهما عبئي الثقيل، ولكن أعود لأضحك من نفسي وأقول : من زوجها والداها في مثل عمري لا يمكن أن يكونوا لها صدراً يشعر فيما تشعر به من حرمان .. التفتت بوجهها إلى النافذة حيث سطع نور الشمس المتسلل على عيناها الكبيرتان فأظهر داخلهما بريقا جميلاً خلاباً .. مخفياً هو الآخر داخل فصول حكايات الطفولة المسلوبة
...معي الآن عشرة أطفال وعمري ثلاثون عاماً ، ولم يجبني أحد حتى الآن ، كيف سأقوم بتربيتهم؟!!! كيف سأعلمهم؟!! من أين سألبسهم ؟!!!،من أين سأحقق لبناتي أحلامهن حتى لا يعشن مرارة الأيام التي عشتها أنا ، ما فائدة الكثير من الأولاد إذا كنا نجزم أننا لن نستطيع تربيتهم تربية صالحة، وما نفعهم إذا لم يقدموا شيئا لوطنهم ولأنفسهم ولنا ... أعادت علي الكثير من الأسئلة، وأنا واجمة التزم الصمت ألماً من اجلها ... نظرت إلي نظرة استغراب من صمتي المطبق.
..ضحكت حزناً.. حينما دعتني لحضور زفاف ابنتها ذات الأربعة عشر عاماً يوم الخميس القادم ...
..حملت ما أعطيتها إياه من طعام ثم خرجت وأغلقت الباب ...وأنا... التزمت الصمت .









11 مايو, 2008 02:45 م