رشا فرحات

فلسطين

الأسيرة ..أُمي ..

رشا فرحات

نظرت إلى وجه تلك الصغيرة بعيون يملأها الوجع رغماً عنها،في هذه المرة خانتها قوتها..تقتلها نظرتها إلى ذلك الوجه الذي لا يفهم معنىً لما يدور حوله ..هذه هي اللحظات  الأخيرة التي ستجمعهما معاً والتي كانت تحسب لمجيئها هذه الأم المعتقلة هنا منذ اليوم الأول لخروج هذه الصغيرة من أحشائها، هي الآن في حضنها الدافئ وهي لا تعلم ما ستقابله ابنتها من أقدار جديدة بعد لحظات خارج هذه الأسوار ،من ستقابل،من ستحب..بل من ستكره ؟؟!! ماذا ستأكل؟؟!! وماذا ستلبس ؟؟!! ومن سيلبسها ؟؟!!

 لماذا يصرون على قتلها مئة مرة ؟؟!! لماذا يحكم عليها السجان بالبعد عن هذه الصغيرة ؟؟!!أملها الوحيد لصبرها في هذه العتمة .
 كل الأرواح لديها في دفه ونظرتها الباكية المستجدية إلى وجهها في دفة أخرى ، هي تريد البقاء إلى جانبها،ولكن قلب الأم يأبى أسر هذه الطفلة معها في زنزانة واحدة باسم الأمومة .

 وقفت تقلب بعض كتبها المرصوصة فوق السرير الصدئ،كحجة واهية للهروب من هذه النظرات البريئة المتسائلة عن رائحة البعد المؤلمة التي تشتمها في حركات أمها المكسورة القلب..في عتمة المكان رأت بريقاً غامضاً لتلك النظرة في عيون عائشة مصوب نحوها وهي مصرة على الهرب من السؤال .

 لماذا يا ماما جمعت أغراضي في حقيبة ؟؟!!إلى أين سأذهب ؟! لماذا لن تأتي معي ؟؟! كثيرة هي أسئلة هذه الصغيرة،وكثيرة هي الأجوبة التي لا تستطيع الخروج من شفاه هذه الأم..سوف تلقين جدتك في الخارج..ستكون رائعة. ستشتري لك أغراضاً كثيره،والكثير الكثير من الحلوى،سوف تذهبين إلى المدرسة وتقابلين أصدقاء جدد..سوف تعيشين في بيت جميل..وسيكون لك سريرك الخاص وخزانة مليئة بالثياب .
ولكن هذا الوجه البريء يصر على رفض إغراءاتها،يصر على العودة إلى ذلك السؤال .. لماذا لن تأتي معي؟؟!!لماذا أنا مضطرة للخروج وحدي ؟؟!!

كيف تستطيع أن تفهم هذه الصغيرة بأن مدة احتضانها لأمها قد انتهت،في زمن تنتهي فيه الأمومة تبعاً لحكم البشر،تبعاً للاتفاقيات الموقعة،ضحكت رغم ألمها ..وهي تقول:تبعاً لقوانين الإنسانية،تبعاً لقرارات الزعماء،كيف اقدر أن اشرح لها معنى البعد وفقاً للسياسيات والقوانين والشرائع،وإذا سألتني عن شريعة الغاب،عن سرقة الأبناء والأحباب،كيف سأستطيع الشرح، وماذا سأقول لها،اقتربت من جدران الحائط السوداء،التي زينتها خربشات أنامل عائشة،فباتت ذكرى وحيده باقية لأنفاسها التي ستخرج بعد قليل من هذه الزنزانة إلى غير رجعة،رغم قوة هذا الجدار وقسوته إلا انه يأبى أن يحمل ولو قليلاً عبء هذا الاختناق الذي تشعر به ينتفخ في صدرها،خبيثاً مؤلماً لا رحمة فيه ولا إنسانية .

إنها ابنتي ..ابنتي ..يا مواثيق الأمم المتحدة..إنها ابنتي أيها المجتمعون باسمي على طاولة واحدة،كيف استطيع أن أمحو خربشاتها عن تلك الجدران وقد باتت أنيساً وحيداً لي في ظلمتي.
تحسست بقايا حليب جف في ثدييها ، وكأنها تستجديه البقاء ولو قليلاً،عذراً واهياً لبقاء هذه الصغيرة في أحضانها ليوم أو يومين ....

أسئلة الصغيرة في ازدياد، والوقت يمر سريعاً عليها دون رحمة،ساعاتها تأبى هي الأخرى أن تتوقف لو للحظات عند عتبات هذا الزمن المليء بالانكسارات،لتخبرها أن ما يدور حولها هو سراب وبأنهم سيشقون صدرها ليضعوا هذه الصغيرة فيه،هي تستطيع أن تتحمل الم النزف والوجع والضرب والتعذيب،لكنها لا تقوى على خروج هذه المخلوقة من بين أحضانها ..

قفز قلبها أخيرا بين ضلوعها ..عندما فتحت بوابة الزنزانة على نور مظلم لسجان لا يفهم معناً للأمومة ..انتزع طفلتها بيدين قويتين..وأغلق بوابة الحديد خلفها بكل بساطة وتبلد..وهي بيدين مرتجفتين أغلقت أذنيها على أصوات آتية من بعيد ..أريد أمي ..أريد أمي ...

قرار:

قوات الاحتلال تفصل الطفلة عائشة عنوة عن أمها الأسيرة عطاف عليان بعد انتهاء فترة حضانتها

 


اسرنا ...سامحونا....



أضف تعليقا

samyaly80 من مصر
22 ابريل, 2008 08:34 ص
عندما تقرأ شيئ يفوق جمالا كل ما قرأت
عندما تشعر ان هناك كاتب يمتلك كل هذه الاحاسيس المرهفة تعجز ان التعليق او النقد