رشا فرحات
طرقات خفيفة على بابها العتيق ، أيقظتها من نومها العميق.. في ليلة باردة هي أحوج فيها لهذا النوم ، حفاظاً على ما تبقى من عظام شيخوخة غدت نهاية ذلك الجسد الذي رق فيه كل شيء وذابت ملامحه ، لكنه بقي صامداً يتذوق كل يوم طعم وجع الانتظار ..وما تبقى هو أمل أخير في عروقه تزداد نبضاته يوماً بعد يوم ، في عتمة المكان نادت بصوت مرتجف : من الطارق ؟! من الطارق ؟!
أتاها الرد مفاجئاً مقلباً تلك الأحداث في ذاكرتها عائداً بها إلى سنواتها البعيدة الصعبة المنال ، عادت لتكرير السؤال عليه ، ليأتيها رده "أنا " فاشتمت في نبراته روائح لوز وبرتقال عتيقة انتشرت فجأة في المكان ، وشيء في خاطرها يصرخ ويحدثها بأن غائبها قد عاد .
بأصابع مشتاقة خائفة مرتجفة فتحت بابها الخشبي الكبير...تفحصت ذلك الوجه القادم من بعيد ، قبل أن تتفجر دموعهما معاً في حديث شوق لم تكتمل سطوره حتى اليوم ، وهي على مرور الأيام لم تفقد أمل لقاءه يوماً ، ها هو يعود اليوم ، عرفت ملامحه فوراً ، سطور شيب طويلة مخططة على ذلك الرأس لم تستطع إخفاء صرخات الحنين بداخله ..لكن .. أين هي ملامح الطفولة القديمة ؟؟!!
مدت يدها لتتفحص وجه الرجل العتيق الباكي ، انه هو..سعيد .. شقيق الطفولة والذكريات العذبة التي كانت. تذكرت تلك الطفلة التي تلهو فوق خيالات مروج بعيدة خضراء مع شقيها الوحيد في بقعة خصبة غالية الثمن ، ثم فرقهم لصوص الوطن فجأة فغدا كل منهم تائهاً في بقعة أخرى مسكونين ألماً متشابهاً وغربةً وشوقاً وأملاً هو كل ما يهدئ ذلك القهر الرابض في عروقهما .. بحسرة قاتلة ينظران إلى ذلك الطريق الطويل الذي ينتهي بأشجار اللوز والبرتقال العطرة الغضة .
كانت هذه العجوز الصابرة طريقاً قديماً آخر،مرت منه كل القلوب المهاجرة من تلك الأرض عبر بوابة غدت حارساً لها دون هوية ، فلا تقوى على الدخول إلى مسكن الذكريات القديمة ، ولم تعد لها حيلة سوى اشتمام روائح الأتربة الرطبة من بعيد فتذرف دموعها رغماً عنها .
عادت إلى ذلك الواقف أمام الباب ، خمسون عام مضت وما زال اسمه محفوراً على لسانها تردده كل يوم كأن ما حدث قبل تلك السنون هو مجرد خيال أو حلم حينما فرقتهما قنبلة انفجرت من احد الجنود العابرين إلى أرضها عبر ذلك الطريق ..ففصلت تاريخاً قديماً لم تعد الطفولة رمزاً له ، فقد كبر بعدها كل شيء ، الألم والشوق والحنين والقهر في قلب طفلة لم تتجاوز الخمسة عشر عاماً ولم يبقى لها سوى صوت حنينٍ قادم من بعيد وصوت طفلة تنتحب ،تنادي على شقيقها المفقود .. سعيد ..سعيد ..من خلف كتل الغبار المنتشرة في الهواء متوسلة إلى الله بأن يكون سالماً لم يطله أذى ..لكنه رغم نداءاتها لم يظهر ، ولم يسمح لها احد بالبحث عنه ، فقد كان الموت اقرب لهم من أي شيء ، لا فرصة للبحث عن أحد ، ولا فرصة لاستجداء احد ، لا صوت يسمع هاهنا إلا صوت المدافع والموت ، ولا حاكم بينهما سوى قانون القناص الذي لم يرحم طفلاً أو أما أو شوقاً لأخ هو كل ما لديها في هذه الدنيا ..
ها هو الآن يجلس إلى جانبها ، صرخاته ترتفع في المكان وهو يستنجدها بأن تعود إليه .. كلمات لا تقوى على الخروج من بين الشفاه المرتجفة ..سعيد ..أخيراً أنت هنا ..كم من السنين مرت دون أن تراه ، دون أن يظهر ،كم هي درجة الصبر التي دفنت في قلبها الطري حتى تحتمل وحدها هذا البعد ، ولكنها أصرت على الانتظار ، كل يوم تقف وقفتها كالعادة لتمعن النظر إلى ذلك الطريق الذي سلكته قبل خمسين عاماً والذي حملها إلى هنا ثم احكم إغلاقه في وجهها ، ممنوعة من العودة ، ممنوعة من اشتمام ترابها الرطب ، على تلك القارعة الباردة الجافة وحيدة منتظرة ذلك اليوم الذي أتى الآن .. مع ما تبقى لها من تلك الذكريات .......طفولة مؤلمة... وأخ وحيد مفقود ... وأرض لم تعد ملكاً لها ..
صوت طرقات الواقع أيقظتها من نومها أخيراً على واقع مرير لتمسح دموعها التي تذرف في كل ليلة ...ذهبت لتفتح الباب لجارتها التي أتت كعادتها كل شهر لتذكرها بموعد زيارة قبر شقيقها الذي استشهد قبل خمسين عاما ً.








06 ابريل, 2008 12:14 م