رشا فرحات
من حقه ...كلمة سمعتها تخرج من بين شفتيها بعد أن قصت علي قصة زوجها العائد من عمله معكر المزاج ،وحينما سألته لم يجب عن أسباب تعكر مزاجه وبعد أن ألحت عليه قام بضربها ضربا مبرحا أمام أعين أطفالها ، بشكل اعتيادي وكأن ضربها هو من الأنظمة الحياتية داخل هذه الأسرة .
بعد أن استمعت لها زمجرت وقمت وقعدت وصرخت ولوحت بأصبعي معددة حقوق المرأة في الأعراف والقوانين الدولية وما نص به الإسلام لحمايتها حتى أسكتتني هي بقولها " من حقه .. ألم يعد متعكر المزاج ... وإذا لم يفش خلقه في زوجته بمن سيتفشش – يعني أنا شو وظيفتي غير رضاه "
منطق غريب تحياه هذه المرأة ... المرأة التي تعمل في بيت زوجها كالخادمة ، لا تنام ولا تكل ولا تمل وفي المقابل لا ترحم ولا يؤخذ بمشاعرها ولا تعتبر أصلا على خريطة الحياة الأسرية لهذا الرجل الذي يستعرض عضلاته على هذه الأنثى الضعيفة كطريقة وحيدة لإثبات رجولته ... وفي النهاية أقصى أحلامها هي ارضاء هذا الرجل ..
......
إلى أين أذهب ... لا تعرف أين المفر ، تعيش مع رجل كان في يوم من الأيام حب العمر الذي تمنته ، رجلا متعلما مثقفا ، وهي ابنة الأسرة المثقفة الواعية ، تزوجته حبا ، تحملت عناء أول سنوات الزواج المتقشفة ،مساندة لزوجها .. فكان المقابل لحبها ذلا وضربا ومهانة ، تحملت خمس سنوات من زواج انتهت بعده إلى العلاج في مصحة نفسية ، اثر المعاملة السيئة التي تلقتها على يد من تحب ، تكلم الناس وقالوا أنها جنت ، جنت لأنها كرهت بعد أن أحبت ، امتهنت بعد عزة وكرامة ، عادت في نهاية المطاف لبيت والدها ، فأغلق أبوابه في وجهها - لا طلاق في عائلتنا - اتهمت بالجنون أكثر لأنها تطلب الطلاق ، واتهمت بالقسوة لأنها تترك أبناءها ، واتهمت بالدلال الزائد لأنها لم تتحمل على نفسها المهانة والضرب .. عادت أدراجها وأغلقت على نفسها أبوب ذل الزوج وترحمت على سنوات العمر الضائع ...
.......
-شو يعني ما بعرف – كلمة أضحكتني عندما سمعتها تقولها لأختها الكبرى التي تطوعت لتشرح لها دروسا عن الزواج والحياة الزوجية الجديدة والمعاملة السليمة التي يجب أن ترضي بها زوجها ، وأنا انظر إلى وجه هذه العروس التي لفت في فستان زواجها كاللعبة الصغيرة ، لا ملامح أنثوية تظهر من هذا الثوب ، ولن تستطيع ابنة الثلاثة عشر أن تغري زوجا مهما تلقت من دروس في الزواج والحياة الزوجية ، وكيف سيقبل هو على نفسه أن يلمس طفلة تصغره بخمسة عشر عاما ، مفارقة صعبة تحياها عيونها الصغيرة التي تنظر إلى المجهول باستغراب وترقب ، وأنا انظر نحوها بعين العطف ، مجرد صفقة تمت اليوم ، أسرة فقيرة باعت ابنتها بألفي دينار لمن تكفل أن يحمل عنهم عناء تربيتها بدلا منهم، والتربية طبعا من وجهة نظر العريس المثقف ، هي بيت وأولاد وقضبان عائلة لا ترحم أطفالها ...
اليوم رأيتها وقد مضى ثلاث أعوام على زواجها ابنة الخمسة عشر ربيعا وكأنها ابنة الأربعين ، أطفال يجرون وراءها ثوبا قد مزقته أيام الكد والتعب ، يستر جسدا خرج من دنيانا قبل أن يدخل ....
...............
معلش اخوكي أولى ... هكذا وبكل بساطة تشطب الأحلام في ثلاث كلمات ، فبعد أن نجحت في امتحان الثانوية العامة بمعدل مرتفع ، تأجلت أحلامها لأن الذكورة الفاشلة قد انتصرت على نجاح الأنثى رغما عن الأنثى ، الأب لا يعمل ، والوضع في قطاع غزة لا يسمح بمصروف اثنين في الجامعة وأنتي عاجلا أم أجلا ستذهبين إلى بيت زوجك ، ولكنها كانت الأفضل .. لا يهم ... المهم أن خيرها في النهاية لرجل غريب ، اشتكت لعمومها وأخوالها فكان لهم نفس الرأي ، البنت مكانها في النهاية بيت زوجها ، وذكرت بخير والدها الذي أغرقها طول السنوات السابقة بدأ بالجلباب الذي كان يشتريه لها كل سنتين وحتى السماح لها بالذهاب إلى المدرسة كل يوم ، ومصروف الدفاتر والأقلام الذي كانت تأخذه ...وانتهاء بعلامات الثانوية العامة التي كان له الفضل الأول والأخير في تجرعها لحسرتها ... نامت ليلها الطويل وهي تقول رغما عنها ... شكرا يا أبي على كل شيء ...
......
يجب أن تشاركي في مصروف البيت ....صارحها أخيرا بعد أن بدأ بتعديد مزاياه الزوجية والتسهيلات التي أعطاها لها في الخروج والدخول والعمل والمشاركة في الاجتماعات النسوية والمحافل الوطنية والتسوق مع صديقات الدراسة، بالإضافة إلى زيارة أمها المريضة وخدمتها ، هذا عوضا عن الهدايا التي يقدمها إلى أهلها في كل المناسبات العائلية ... قائلا أنها تعمل وتدخل راتبا شهريا يجب أن يكون لبيتها حصة منه ، واعترضت كزوجة قوية مثقفة.. تعمل في مؤسسة تعنى بحقوق المرأة !!! ولكنه أصر موضحا أن هذا واجبها الإنساني ومن حق أبناءها أن يكون لهم نصيب من مال أمهم العاملة .. .فوافقت بعد عناء قائلة : بشرط أن تشاركني أنت بالتربية والتعليم والطبخ والتنظيف حتى تصبح القسمة بيننا قسمة عادلة ... أيها الزوج العادل...
خرج العدل من بين أنياب الزوج العادل قائلا ...أنا لست عادلا ...ابقي مع أبناءك ولا خروج لك بعد اليوم. .......








17 مارس, 2008 08:15 م