رشا فرحات – غزة
لمست راحة يديه بدفيء أناملها باحثة عن بقايا روحها الساكنة داخل هذا الجسد ، تحاول أن تسمع منه خيال همسات أو بعض حروف تسربت حلماً..لتفجر بقايا الأمل الدفين بين ضلوعها ..برغم كل شيء ..لكنه رغم رجاءها المستمر منذ ثلاثة أشهر.. لم يتكلم !!
تنظر إلى تلك الأسرة المتراصة بإتقان محاذية لسرير طفلها الراقد إلى جانبهم ، تستشعر الأمن بينها ، وكأن أناتهم ونظرات أمهاتهم ، لمسة برد تعزي قلبها الملفوح بنار القهر الرابض في عروقه ..
لكنها ترفض الاستسلام ..يجب أن يكون هناك أمل ..يجب أن يكون هناك حل .. لا يمكن أن تترك الأحلام تخرج بكل بساطة من باب هذه الغرفة إلى غير رجعة ، تفاجئها ضغطة يده الصغيرة على يدها ،تواسي هذا الصمت القابع بينهما .. تلتمس حناناً تعودت على إعطاءه له ، هي أحوج ما تكون إليه الآن ..تراه يلعب بين أقرانه كما كان في ذلك الأمس البعيد ، تسأل نفسها عن حقيقة الشخص المريض بينهما ، هو يتألم ويئن وهي تحتاج لطبيب يشخص صدى أناته الصارخة في داخلها والتي تقتلها يوماً بعد يوم ..
لقد كان هذا المريض حلماً قديماً لم يكتمل، سعت هي إلى تحقيقه كل يوم وكل ساعة وفي كل دقيقة حتى أتى هذا الصغير إلى النور ، لقد كان الأمل الذي أرسلته رحمة السماء إلى قلبها الوحيد ..هل يا ترى ستترك أملها الآن يسير على دروب اليأس..
لمسة ضوء وحيدة في تلك الحجرة تسلك طريق الذهاب دون رجعة .. ترتجيها بأن تعود إلى ذلك الجهاز الذي يحرك نبضات وليدها الممدد هاهنا..دفعات من تيار كهربائي لعين كان آخر تلك الأيدي التي ارتضت على نفسها المهانة ، ماذا يريدون ، لقد دمر حولنا كل شيء ، لقد دفنوا أحلامنا في التراب ..لماذا قدروا لها أن تبقي على عتبات هذا الجسد الممد تنتظر رحمة من لا يرحم ، لماذا سحقتنا أيديهم في لحظة ذل اختاروها ولم تختارها عقولنا المنتظرة بعين ترى الفرج قريباً رغم يأسهم ..وكفرهم ...وطغيانهم الذي فرضه ذلهم وأهانتهم على حياتنا ..لماذا ارتضوا لنا هذه الموتة وهم يتدفئون بأحضان أبناءهم كل ليلة ..هل يا ترى يمرضون ؟! هل يا ترى يبكون ؟!هل تدمع أعينهم لحالنا ؟!لا بد أنهم بشر من لحم ودم..أي شيطان هذا الذي أصر على قتل الإنسانية في صدورهم ؟!!
قطعت أفكار لعناتها المتواصلة ..لمسات الطبيب التي تناولت منها يد طفلها الراقد على هذا الجنب ..تأملت ملامح هذا الطبيب ، لمحت يأساً يلمع في عيناه ، لمحت كلمات مواساة تظهر جليه على ملامحه العاجزة عن فعل شيء ..لكنه رفض الحديث إليها وانصرف ..ركضت خلفه ..تخبطت بين كاميرات الصحفيين التي انتشرت في ردهات المتشفى الحزين ، سألته عن حال ابنها ؟؟؟؟!!!!
مستقرة ..ما معنى مستقرة ..هل ستدخل الكهرباء إلى قطاع غزة ..هل ستفتح المعابر هل سيستطيع ابني السفر إلى الخارج؟؟!!! فيرد باقتضابه المعهود :(إن شاء الله ) لا تيأسي من رحمة الله .
عادت إليه بوجه متجهم ..فكرت طويلاً ..نظرت إليه بعيون ملؤها حقد غاضب تفجر كبركان ثائر ،نظرات الجالسين حولها تسمرت على وجهها تسألها جواباً وتفسيراً لما يدور في رأسها ..بعد تفكير طويل ..حملته بين ضلوعها ..ركضت عبر الأبواب دون إذن من أحد ..سلكت ذلك الطريق الطويل..عزمت على الذهاب إلى حيث الحياة خلف تلك القضبان تنتظرها .. معبر مغلق .. جدران تشتم فيها رائحة عفن الهزيمة المتأصل فيها حتى تراءت أضعف من معنى القيام ، لمسة واحدة من لمسات غضبها الجامح هدمت ذلك الجدار الهزيل ..قوية هي ..قوية قوة ذلك العليل الذي تضمه بين ذراعيها ..ومن خلفها أمهات ثكلى يهتفون فرحاً وتشجيعاً..يستمدون منها قوة ولدت من ضعف رجال القبيلة ..
من هنا يمر الموت ..من هنا تمر الحياة ...هنا يقف ابنها حائرا بين الاثنين ..لقد ارتضوا عليه موتةً بغيضة ذليلة ولكن غضبها فجر الحياة فجأة في عظامه الرميم ..عادت إليه ضحكاته غضباً وحقداً ولوعة ..وفرحة بانتصار أمه ..وإصرارها على الحياة برغم الموت المحيط من كل جانب ..ركضت به إلى حيث الأمل المنتظر خلف هذه الفتحات ...
صرخت في وجوه الرافضين على هذه البوابة ..تأملت وجه الحارس الذليل هو الآخر ...هاجت كلبوه مفترسة في وجه الصياد وهي تنظر بحزن ورعب وغضب مدمر انتهى بحكاية موت معتاد.. حينما خرجت الأنفاس بطيئة من صدر وليدها ...معلنة عن قرارها الأخير ..








11 فبراير, 2008 04:04 م