رشا فرحات
في صندوق من الخشب العتيق ، أتوا يحملونه إليها ، بعضا من اللحم الممزق .. بقايا أشلاء .. تنظر إلى الصندوق الذي يحتويها بتلك العيون المليئة بحيرة السؤال والجواب ، عن قاتل لا يمكن الوصول إليه ، عن مبررات افتعلت قبل تنفيذ الجريمة ، عن أيام العمر التي ضاعت ولم تذكر قبلها ، عن أم كانت تعد الأيام حتى قدوم يوم العيد ،عن اللحم الممزق المحشو داخل هذا الصندوق الصغير والذي لم يرى النور منذ عشر سنوات ،تنظر إلى عينان لا تجد فيها من ينظر إليها، أو إلى يدان لا تستطيع تقبيلها قبلات الوداع الأخير ..
تفتح الصندوق تنظر إلى ما جمع من هذه الأشلاء ...كيف تحولت الأحلام في غمضة عين إلى كتل من الدماء الملطخة على جوانب هذا الصندوق الكبير، تعرفها تماما نهايات حصاد السنين ...تتلمس هذه المسامير المدقوقة، أترى بقيت أطرافه مكبلة حتى الآن؟!! تتحسس موضع الأربطة الحديدية ، تمسح بيديها على زرقة الألم ، تصبره بكلماتها الحنونة .
، تشتم أنفاسه،تسمع صوت أنات وحشرجات تخجل من ذكر الحكاية،تخجل من كلمات العتاب ..تستمع إليها رغم أصوات البكاء والعويل ،واقفة وقوف الأشجار رغم انخفاض رؤوس الجميع .
وتعده بان تتحقق الأحلام رغم اختلاف الوجوه وبقاء القيود ، ثم تتمنى ما بقيت تتمناه سنين عمرها الطوال ،هي التي راهنت عليه يوما ، بأن تكون يداه طائرا يحلق بها في عنان السماء ، وقد أصبحت تطير الآن.
بالأمس فقط تراه يولد .. يضحك .. يحبو .. يقفز ويدرس ، ثم تراه اليوم فتات أحلام محشوة داخل صندوق من خشب ،يحال بها الوصول إلى موضوع الألم ...إلى اليأس الذي يرقد الآن في صدرها بعد انتهاء كل شيء.
المح على شفتيها ضحكة تهزا من معنى الوداع ، تهزا من معنى الغياب ، تهزأ من معنى الموت لإنسان عاش بداخلها قبل أن يعيش على الأرض وها هو يعود إليها الآن.
ثم يطلبون منها بكل صفاقة أن تودعه الوداع الأخير ، يتشاجرون على لون العلم ، ويتشاجرون على رفع اسمه رايات انتصاراتهم المزعومة ، ليحصدوا غنائمهم على أنقاض أحلامه التي أضاعوها، وكل منهم كان يصبرها بأن قضيته على سلم الأولويات ، وهي بقلبها البريء كانت تصدق ..
تعود إلى بيت وحيد ، تائه .. حزين هو الآخر ..دون أحلام هذا المرة ، تموت وحدها ، تعيش وحدها ، تقضي ساعات الذكريات الطوال وحدها ، تسأل نفسها كل يوم نفس السؤال وحدها .
تحلم بأن يصحو من غفوته ليقول لها بأنه لا ذنب له ولا حيله وبأن الزمن سيعود إلى وراء السنين السابقات، وسيحمل حقيبته ويذهب معها إلى صفوف المدرسة المشتاقة إليه ، وستذهب معه لتعتذر عن التأخير الطويل.
وستقوم معه بمسح الدماء عن كتب الحساب والدين ، وسترفع رايات الأحلام المحققة فوق صفوف الدراسة ، وستدفعه مع أصحابه ليلقي تحية العلم كل يوم ، وستنشد معه نشيد الوطن المجروح الباكي ...
وسنصرخ معها بمليء حناجرنا ...
لماذا حولتم أحلام الحرية إلى صناديق من خشب لا نقوى على احتضانها في يوم العيد ...
ما قبل العودة
استشهاد الأسير محمد الأشقر اثر المجزرة البشعة التي قامت بها قوات الاحتلال بحق أسرانا البواسل في سجن النقب الصحراوي، قبل موعد خروجه من المعتقل حيث كان من المتوقع خروجه قبل عيد الأضحى المبارك...












14 ديسمبر, 2007 08:19 م