رشا فرحات
نظرت إلى الرجل النائم بجانبها على سرير واحد ، عشرة أعوام مضت على اقترانهما بنفس السرير ،وخمسة عشر عام مضت على اقترانهما بنفس العهود ،ولم يمضي يوم واحد على تحققها ، وعدته بالبيت ، بالجنة ، بالأبناء ، وعدها بالوفاء لأنوثتها ، هي التي تحدت أرضاً وقبيلة من اجله ،راهنت عليه بمستقبلها وأحلامها فشعرت بالهزيمة من أول جولة ، يوم قررت الخروج معه بلا عودة ، هي خسرت و هولم يحاول تعويضها هذه الخسارة ، هوالذي لم يقف لحظة تأمل في وجه الأقدار والصعاب في وجه من نعتوها عارا باسم العادات والتقاليد ، هي التي لم تقترف ذنبا حينما عشقته ووثقت به فقط لأنها أحبته ، الآن وبعد عشرة أعوام على نفس السرير ، تنظر حولها .. تنظر إلى خمسة أطفال ينامون على ارض الغرفة ، إلى جدران أذابتها رطوبة الشتاء وحرارة الصيف ، إلى الجوع الملتوي الذي يعصر في بطنها منذ ثلاثة أيام ، إلى رجل يسعى فقط من اجل سيجارة أو لعبة قمار يضيع فيها ما عطف به المارون عليها ...هي وحدها فقط من دفع الضريبة والثمن.
هو الذي تحول في لحظة صدق وكشف للحقائق إلى مجرد جثة هامدة لا مكان فيها لحب صادق، هي التي أعطت بدون حدود ، هي التي أهدته نفسات الرمق الأخير إليه، طمعا في لحظة اجتهاد منه،طمعا في لفتة إلى جمالها الذي ذبل على سريره ، وعلى عظامها التي رقت يأساً منه ،والى ضحكتها التي نسيت مع مرور الأيام أنها كانت أجمل ما فيها، وعلى شقاءها في توفير لقمة عيش لأطفال لا يحملون من أبيهم إلا خوفا من مجرد سلام أو كلام ، هي لا تجرؤ على العودة إلي حيث أتت ، خوفا على الأرواح التي غدت تسكن داخل روحها ، والتي تتعلق بها يوما بعد يوم ، راهنة مستقبلها بلمستها الحنونة ..وهي تخاف أن تخيب أمالهم مثلما خيب والدهم أمالها ..
ترنحت الأفكار في عقلها يمينا ويسارا هي تفكر في إفطار الغد ،غداء الغد ،عشاء الغد ،وشقاء الغد ، لقد طلب منها محمد قلما جديدا ، واحمد يحلم بان يذهب إلى الحديقة ، وربى تريد طوقا أحمر من اجل حفلة عيد الأم ، وهي ما زالت تنظر إلى الراقد بجانبها تستغرب تبلده ألا متناهي ، تستغرب قوته التي قلبت ضعفا ، تستغرب أحلامه التي حولها إلى مقامرة ، تستغرب طموحاته التي صارت يأساً.. وتتذكر حديث الكذب الذي كان يحدثها به قبل خمسة عشر عاما ، وتسأله كل يوم ، لماذا لماذ لماذا؟؟؟
ألقت رأسها خلف دوامة من الذكريات المرعبة وغطت نفسها ببقايا غطاء من أحلام لن تتحقق ، ورجعت تفكر في طعام الغد ، حتى غلبها النعاس تعبا ، وشوقاً ، وعشقاً ، ويأساً منه ...ذلك القريب البعيد ....













20 نوفمبر, 2007 07:14 ص