رشا فرحات – غزة
نظرت إليها وهي تتقلب على فراش المرض بوجه شاحب،مليء بالتساؤلات،صمتها يكاد يقتل كل المجتمعين حولها ..نظراتها إلى أعين أطفالها الحيرى ترعبها ... تملأها حزنا على حزنها،وأنا لا ادري بماذا تفكر،وما الذي يدور بخاطرها،والى أي بر قد رست سفينتها بعد أن يأس الطبيب من وجود علاج لها في قطاع غزة وقرر تحويل أوراقها إلى مصر،تتقلب الآن في سريرها أكثر من أي يوم مضى،وتصاعدت وتيرة الألم الذي تشعر به أكثر من لحظة،حية بين أولادها الذين يطلبون منها أن تقوم لتعد لهم طعامهم،أو تلبسهم ملابس الدراسة،أو تأخذهم إلى السوق أو الحديقة كما تعودت،وكأن لمسات أيديهم الصغيرة ونظراتهم التائهة ترفض أن تصدق عجز أمهم عن العناية بهم ..وبأي التفسيرات يمكن أن تقنعهم بان أمهم ما عادت قادرة على شيء.
تنام ليلتها الأخيرة في أحضان من أحبتهم،تنظر إلى عيونهم المغمضة وتحلم بأن تراهم شبابا،تعوّض في قوتهم ضعفها الذي تشعر به،تحلم بان تبقى،تريد أن تبقى،تتذكر كم يتمسك المرء بحياته ويحبها من اجل أرواح أبناءه الصغيرة،تفكر مليا،هل سيقدر لها العودة إلى هذه الجدران،والى هذه الذكريات،هل سيقدر لي رؤية وجوه من أحببتهم مرة أخرى ...هل سيقدر لها وداعهم لآخر مرة ..
توقظ زوجها من نومه ... تتوسل إليه أن يأخذوا معهم أرواحهم الأربعة النائمة في الغرفة المجاورة .
أخاف أن لا أعود ،،.. أخاف من قرار الأطباء في مصر ... أخاف ... أن ابعد عن أبناءي .. أخاف أن تغلق عيناي على وجوه غريبة غير وجوههم ... أخاف من إغلاق المعبر..فأدفن في تراب غير ترابي ..
يحاول هو تهدئتها برفق وحنان معهود،موضحا لها أن الأوضاع المالية التي يمرون بها لا تسمح بأن يذهبوا جميعهم معها،ثم أنها ستعود حتما بعد أن تتلقى العلاج اللازم،هو يعلم تماما أن هذه المحاولات مجرد مخدر مؤقت مجرد محاولات فاشلة ،هو يعلم ... وهي تعلم ... لكنهم يخافون من الحديث الصريح في قضية قال الموت كلمته الأخيرة فيها ... لألا تغلبهم دموع القدر والأمر الواقع لا محالة .. لكنه يطمح لو بقليل من الأمل ، في أن تعود وتموت بين أبناءها إذا كان هذا ما يستطيعان أن يحلمان به فقط ...
تصحو هي على أفكاره التي تدور رائحتها في أجواء غرفة مريضة هي، الأخرى تشعر بها تحلق حولها منذ أن عرفت طعم الألم .. وتقول له .. المهم أن لا أُحجز على المعبر لأني احلم أن أموت هنا بين أبناءي فقط
تخرج شمس يوم جديد،تأخذ أمتعتها،تسير خطواتها البطيئة نحو قرار تعلمه مسبقا تنظر خلفها لعلها تسر ببعض أمل تستمده من وجوه أبناءها الصغار الملوحين بأيديهم البريئة ، يعصرها الألم أكثر وأكثر ، تنظر خلفها وهي على يقين أنها لن تراهم مرة أخرى ...تخرج من باب أُغلق خلفها على غير عودة ..حتى صدر قرار الموت دون أن ترى تلك العيون ...
أخبارها
وفاة سيدة فلسطينية مريضة من العالقين على معبر رفح الحدودي ليرتفع عدد الذين توفوا على المعبر منذ أكثر من أسبوعين إلى خمسة شهداء.












17 نوفمبر, 2007 05:53 ص