رشا فرحات – غزة
بالأمس كنت أشاهد فيلما عربيا للفنان عادل إمام، وهو فيلم " السفارة في العمارة " وللحق أني أشاهده للمرة الثانية ، لكني شعرت في هذه المرة بالكثير من التأملات التي نادرا ما اشعر بها،فالسينما المصرية أصبحت تناقش قضايا مهمة أجرأ من أن تناقش في برنامج تلفزيوني أو مقال صحفي ،كما أنها تصل إلى جميع العقول والطبقات الفكرية بكل بساطة وسلاسة، وخلال مشاهدتي لهذا الفيلم القديم الحديث اكتشفت انك في بعض الأحيان تشاهد فيلما لا تندمج معه ولا تشعر بإعجاب نحو قصته وتشعر أنها على جمال سردها وكتابتها قصة عادية خصوصا إذا كنت تحيا حياة مليئة بالقصص المؤثرة كالحياة التي نحياها نخن الفلسطينيين في قطاع غزة ، فالحياة هنا لها طعم أخر تجعلك في معترك الأحداث رغما عنك ، فتتابع الأخبار وتسأل عن القضايا وتتأثر رغم إرادتك ، ولا خيار أمامك سوى أن تحياها بكل مؤثراتها وتفاصيلها ، وهذا ما حدث مع الفنان عادل إمام الذي كان يحيا حياة هادئة في دبي ، حياة ملئها الرغد والراحة مهما كان فيها من شقاء وتعب وكد من اجل توفير لقمة العيش فهي حياة مرفهة إذا ما قورنت بالحياة التي نحياها نحن،بكل منغصاتها ، ففي دبي لم يخطر ببالهم يوما أن هناك شيء يمكن أن يحدث في المدينة ينقطع على أثره التيار الكهربائي مثلا لمدة أسبوع ، وفي أي مكان في العالم لا يمكن أن يجري حصار لدرجة أن تدور المدينة لمدة ساعتين بحثا عن علبة حليب لأبنك الرضيع فلا تجدها ،وإذا وجدتها فهناك الكثير من الاحتمالات المخيفة التي تجعلها فاسدة أو منتهية الصلاحية، لأنها مخزنة منذ أكثر منذ عام في مخازن التجار .
وهنا يأتي دور القائد الكبير .. الإعلام ...فإذا رجعنا إلى عادل أمام الذي بدأت قصته بعد عودته إلى ارض الوطن وحياته داخل معترك قضية رمته الظروف فيها دون أن يختار، بعد أن وجد نفسه جارا للسفارة الإسرائيلية ، فالملفت للنظر أن هذا الرجل مهندس البترول الذي تعدى الأربعين من العمر لا يعرف شيئا عن الثقافات السياسية بل ولم يسمع يوما بكلمة تطبيع ،وتذكرت وقتها حدثا بسيطا مشابها عشته قبل حوالي العامين عندما خابرتني صديقة فلسطينية تعيش في الولايات المتحدة وسألتني عن الحال في قطاع غزة ، فأخبرتها بكل انفعال بأن حركة حماس قد فازت في الانتخابات ،وبعد أن انتظرت ردة فعل للخبر الهام الذي أخبرتها إياه أجابتني بكل غرابة " وهل كان لديكم انتخابات ، انتخابات شو إلي فازت فيها حماس ؟!!!" مع العلم أن صديقتي – على ما اذكر - فتاة جامعية وقد كنت لتلك اللحظة اعتقد أنها على قدر كبير من الثقافة والوعي ...
هنا يظهر جليا دور الإعلام العربي النائم الذي يسعى من اجل التعتيم على عقولنا وعقول شبابنا والذي أغدق علينا من خلال الكم الهائل من فضائياته كما من المساخر والتخلف والتعتم على قضايانا السياسية والإنسانية حتى نلهو بعيدا عن واقعنا المؤلم ، ونلتفت إلى خصر هيفاء وهبي وأرداف شاكيرا والى موليدي أفلام وروتانا سينما ونردد شاطر شاطر مع ابنانا ونحن بعيدين عن الشطارة كل البعد ، حتى ما تبقى من شبابنا إلا البنطلونات الجينز " الخصر الساحل "وفانلات البادي والشعر المغمس بالجيل ، ومسابقات ستار أكاديمي وسوبر ستار التي اعتبرها مثل المخدر الذي يسري في عروقنا كلما ظهرت قضية عربية حقيقية في الأفق، وإذا أرادت تلك الفضائيات أن تقدم لك وعيا أو ثقافة شغلت بأخبار التجميل والرجيم والعلاج بالأعشاب والصحة والرياضة ومسابقات المليون ريال والمليون دولار... حتى لا يبقى لك خيار سوى أن تلعب مع من يلعبون في نفس الملعب ...وما محاربة قناة الجزيرة إلا دليلا واضحا على ذلك ، فهي مجرد قناة تعرض جزءا من الحقيقة ، لا يتعدى الواحد على المليون من الحقائق المخفية عن عالمنا الذي نعيشه مليء جفوننا ألما وسهرا وجوع وخوف ، ورغم ذلك فهي على قلة ما تعرضه محاربة من الجميع ...وكل ذلك حماية للعقول المخدرة وخوفا عليها من الاستيقاظ والبحث عن الحقائق ...حتى أصبحنا مخدرين تحت تأثير المسابقات و"sms"التي تصت على حساب جيبونا وعقولنا ،حتى أقنعت الكثيرين في عالمنا العربي بأن القضية الفلسطينية هي قضية شعب فقط وليست قضية عربية ومقدسات قد دنست إلى أن صارت شيئا تعودوه وضجروا من سماع أخباره .
وكل هذا من اجل تطبيق مبدأ الديمقراطية والانفتاح والتحرر وحرية التعبير عن الرأي ، فمن اجل الديمقراطية حوربت العراق ومن أجل الديمقراطية ، يجتاح قطاع غزة ، ويقطع الحليب والطحين من الأسواق ، ومن اجل الديمقراطية يموت المرضى على المعابر الإسرائيلية ، ومن اجل الديمقراطية تخلع المطربات العربيات ملابسهن قطعة قطعة ويرقصن على مسارح دبي وأبو ظبي وفي مهرجانات التسوق ، وطبعا الساحة العربية مرحبة لكل أنواع وطقوس الديمقراطية الأمريكية ، بدأ بالراقصات وحتى القنابل والمتفجرات والاجتياحات ...وحتى نتائج صناديق الاقتراع التي لا يعترف بها سوى باعتراف أمريكا قبلا ...كلها من صنع الديمقراطية الأمريكية ... ونحن مجرد متلقين ملقنين مفرغين ليس لنا سوى أن نفتح أفواهنا ونتلقف ...ثم نطبق مبادئ الديمقراطية عن طريق إعلامنا الجاهل لأي معنا من معاني الديمقراطية ...
ثم نلوم ونندد ونبكي ونلطم ... ولم يجني علينا أحد ....








18 مارس, 2008 07:44 م