رشا فرحات – غزة
أسير في شوارع غزة هائما على وجهي، لا ادري إلى أين اذهب والى من الجأ بعدما قطع الرئيس راتبي لأسباب لا افهمها، شعرت أن خدمة خمسة عشرة سنة في منظمة التحرير الفلسطينية قد ضاعت هباء.
أدرك انه بعد أن انقلب كل شيء في قطاع غزة، انقلبت معه كل الموازين، جاعلة غزة مدينة خائفة من القادم، وأهلها مرعوبين حتى من الحديث في أي من قضاياهم، مخافة أن ينال الحديث لقمة عيشهم التي يسعون للحفاظ عليها، وبعد أن كانت لدينا الحرية في التعبير عن آرائنا ومواقفنا، أصبح فجأة كل شيء ممنوع، فإما أن تكون مع هذه الجهة السياسية أو تلك، ودون ذلك لا مكان لك، ولا وطن ولا ارض ولا حقا تطالب به.
وفي حين حقق "القادة والزعماء" ما يريدون من جمع الاموال وتحقيق السيطرة والنفوذ، فاننا نحن المواطنون العاديون "خرجنا من المولد بلا حمص".
لم أرث شيئا، ولم أخطط لشيء، عشت طوال عمري مستقلا في كل شيء، لا احمل تعصبا في داخلي لأي تنظيم، وكان التحاقي في منظمة التحرير منذ نعومة أظافري، إيمانا مني بأنها الممثل الشرعي الوحيد للفلسطينيين، وقد كانت فعلا في سنوات ثورتها رمزا لكل فلسطيني مناضل يحمل في صدره جذوة الحنين إلى الوطن، لكنها لم تكن في نظري يوما شيئا مقدسا، لأن الشيء الوحيد المقدس لدي هو وجه الله، ولا شيء غيره، فتوجهت إلى طاعته فطريا دون أن يوجهني إليها احد، اقتديت بسنة نبيه الكريم في كل شيء، وعدت مع منظمة التحرير إلى أهلي في قطاع غزة، وعشت طعم نعيم الوطن ودفء الأهل، فكونت أسرة بسيطة وأنجبت أطفالا عاشوا معي مرارة الأيام وضيق ذات اليد، فتجرعوا مرارة الحرمان من ابسط حقوق الطفولة، حتى استطعت أن أكوّن لهم بيتا بسيطا براتبي الذي لم يكن يتعدى الثلاث مائة دولار، وكنت برغم كل شي حامدا شاكرا لله، مصرا على تمسكي بديني، وشعرت بالاستقرار برغم أن راتبي لا يتبقى منه كل نهاية شهر سوى خمسمائة شاقل، بعد ذهاب معظمه سدادا للديون، وجاءت أزمة انقطاع الرواتب، عام كامل من حياة الضنك عشتها وأبنائي الخمسة يرضون ببعض لقيمات من الخبز، وينظرون إلى صنوف الفاكهة المعلقة بالأسواق على أنها شيئ محرم، وأنا أصبرهم بكلمات إيمانية بسيطة بأن الفرج قريب بإذن الله، وبأن محنة الرواتب هذه مجرد أزمة عابرة، وسيكون لهم ما يريدون ويحلمون.
وبرغم كل هذا نمت ليلي الطويل شاكرا حامدا مؤمنا بالله، وكانت عادتي أن أذهب إلى المسجد المجاور إلى بيتي يوميا، أصلي صلواتي فيه واستمع إلى دروس الذكر، ولم يخطر ببالي يوما بأن معظم المساجد في قطاع غزة ملك لفئة دينية، بدءا بالإمام، وانتهاء بالمصلين والمدرسين والعابرين، ولم يعن لي هذا شيئا حتى حدث ما حدث، وجاءني إشعار مفاجئ بفصلي من العمل ... لماذا؟ وأنا الذي نفذت قرار الرئيس وجلست في بيتي منذ حدوث انقلاب غزة، حفاظا على راتبي ، فماذا حدث؟!سألت عن القضية فقالوا لأنني اذهب إلى مساجد فئة دينية بعينها، ولماذا لم يعرّفوا المساجد حتى نعلم إلى أي المساجد نذهب؟ فقالوا لي: لأنك أطلقت ذقنك! قلت لهم: وهل هناك شكل معين لابن هذه الفئة السياسية يختلف عن تلك؟ ، ثم ما معنى ان يتخذ الرئيس قراراته بالظن والتخمين؟
وهل أصبحت الصلاة ملكا أيضا لحزب دون الآخر ...
سيدي الرئيس سنعلن مرسوما باسمنا نحن المسلمين المصلين العابدين الطائعين لله بأننا نصلي لله فقط، ونؤمن بأقداره العادلة، ونوحده في كل الظروف والأزمات، ونتبع سنة نبيه الكريم محمد ابن عبد الله، وسنطالب ببناء مساجد كبيرة في قطاع غزة لنتعبد فيها، شريطة أن يكتب على باب كل مسجد لاي فئة دينية او سياسية يتبع، حتى يعلم كل منا أين مصلاه.
لم يكن الدين ولم تكن المساجد في اي يوم من الايام ملكا لاحد، فهي دور عبادة عامة يرتادها من يشاء، وفي ظل الاوضاع التي نعيشها، فان لنا وطن واحد ينتظر منا ان نحرره لننعم فيه بالحرية والاستقلال، ونبني فيه مستقبلا لاطفالنا، واما الدين فهو لله فقط.








أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية